ابن فرحون
15
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
الصبح ، فأمر بمقصورة يصلي فيها ويتحصن بها ، فلما دعت الضرورة إلى قطع جانب المسجد جاز ذلك للحاجة إليه ، ثم لم تزل حتى احترقت بحريق المسجد في ليلة الجمعة أول شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وستمائة ، ومنها بقيت أثرا إلى الآن . ومن ذلك بناء القبة التي في صحن المسجد الشريف ، عمّرها الإمام الناصر لدين « 1 » اللّه لحفظ حواصل الحرم ، والمصحف الكريم العثماني وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ صنعت بعد الثلاثمائة ، وكانت عمارتها سنة ست وسبعين وخمسمائة ، وجميع ما فيها سالم إلى اليوم ، وقد سلمت من الحريق ببركة المصحف الكريم ، ولكونها متوسطة في المسجد ، ومن ذلك الدكة الخشب التي يبلغ عليها المؤذنون خلف الإمام . ومما يشيد بناء هذه المسألة ويقوي أركانها ، إباحة العلماء المالكيين التعزير في المسجد الشريف ، وإنما ذلك تيسير للحكام لئلا يتكلفوا الخروج عند إقامة الحدود ، مع العلم بما يجب للمسجد من التنزيه عما هو أقل من هذا ، مثل رفع الصوت بالعلم ، بل أدنى من ذلك ، حتى قيل : لا توقد فيه النار ، لكنهم راعوا المصلحة العامة ، ورأوا أن المسجد بني للشرع وأهله ، ولم يبن لغيره . ثم يرجع الكلام مع هذا الذي تصدى للإنكار والإفتاء ، هلا أنكر ( عليه « 2 » غير مجلس الحكام من مجالس لغيره نصبت ، ومتكآت خصصت ، وبالفضة بيّضت ، ودكاك عند الأبواب ، ومواضع من المسجد محجزة ، وخلوات مبتدعة ؟
--> ( 1 ) وفاء الوفا 3 / 301 ( 2 ) ساقط من المطبوع .